مکارم الأخلاق (متن عربی)

نویسنده : حسن بن فضل طبرسی

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ
الحمد لله الواحد الأحد الصمد الذی لَمْ یَلِدْ وَ لَمْ یُولَدْ وَ لَمْ یَکُنْ لَهُ کُفُواً أَحَدٌ و الصلاة و السلام علی محمد عبده المجتبی و رسوله المصطفی أرسله إلی کافة الوری بَشِیراً وَ نَذِیراً وَ داعِیاً إِلَی اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِیراً و علی أهل بیته أئمة الهدی و مصابیح الدجی الذین أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهیرا وَ السَّلامُ عَلی مَنِ اتَّبَعَ الْهُدی .
و بعد فإن الله سبحانه و تعالی لما جعل التأسی بنبیه مفتاحا لرضوانه و طریقا إلی جنانه بقوله عز و جل لَقَدْ کانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ کانَ یَرْجُوا اللَّهَ وَ الْیَوْمَ الآْخِرَ و اتباعه و اقتفاء أثره سببا لمحبته و وسیلة إلی رحمته بقوله عز من قائل قُلْ إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ حدانی هذا الفوز العظیم إلی جمع کتاب یشتمل علی مکارم أخلاقه و محاسن آدابه و ما أمر به أمته فَقَالَ ع إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ لأن العلم بالشی ء مقدم علی العمل به فوجدت فی کلام أمیر المؤمنین علی ع ما یحتوی علی حقیقة سیر الأنبیاء و هی الانقطاع بالکل عن الناس إلی الله فی الرجاء و الخوف و عن الدنیا إلی الآخرة.
و خص من جملتهم نبینا محمدا ص کمال هذه السیرة و حثنا و رغبنا علی الاقتداء به فَقَالَ ع بَعْدَ کَلَامٍ لَهُ طَوِیلٍ لِمُدَّعٍ کَاذِبٍ یَدَّعِی بِزَعْمِهِ أَنَّهُ یَرْجُو اللَّهَ کَذَبَ وَ الْعَظِیمِ مَا بَالُهُ [وَ ]لَا یَتَبَیَّنُ رَجَاؤُهُ فِی عَمَلِهِ وَ کُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِی عَمَلِهِ إِلَّا رَجَاءَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وَ کُلُّ خَوْفٍ مُتَحَقِّقٌ إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ یَرْجُو اللَّهَ فِی الْکَبِیرِ وَ یَرْجُو الْعِبَادَ فِی الصَّغِیرِ فَیُعْطِی الْعَبْدَ مَا لَا یُعْطِی الرَّبَّ فَمَا بَالُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ یُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا یُصْنَعُ بِعِبَادِهِ أَ تَخَافُ أَنْ تَکُونَ فِی رَجَائِکَ لَهُ کَاذِباً أَوْ تَکُونَ لَا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً وَ کَذَلِکَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِیدِهِ أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا یُعْطِی رَبَّهُ فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَ وَعْداً وَ کَذَلِکَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْیَا فِی عَیْنِهِ وَ کَبُرَ مَوْقِعُهَا فِی قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَی اللَّهِ فَانْقَطَعَ إِلَیْهَا وَ صَارَ عَبْداً لَهَا وَ لَقَدْ کَانَ فِی رَسُولِ اللَّهِ ص کَافٍ لَکَ فِی الْأُسْوَةِ وَ دَلِیلٌ عَلَی ذَمِّ الدُّنْیَا وَ عَیْبِهَا وَ کَثْرَةِ مَخَازِیهَا وَ مَسَاوِیهَا إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا وَ وُطِّئَتْ لِغَیْرِهِ أَکْنَافُهَا وَ فُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وَ زُوِیَ عَنْ زَخَارِفِهَا- وَ إِنْ شِئْتَ ثَنَّیْتُ بِمُوسَی کَلِیمِ اللَّهِ إِذْ یَقُولُ رَبِّ إِنِّی لِما أَنْزَلْتَ إِلَیَّ مِنْ خَیْرٍ فَقِیرٌ وَ اللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزاً یَأْکُلُهُ لِأَنَّهُ کَانَ یَأْکُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ وَ لَقَدْ کَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَی مِنْ شَفِیفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ لِهُزَالِهِ وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهِ وَ إِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ صَاحِبِ الْمَزَامِیرِ وَ قَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَقَدْ کَانَ یَعْمَلُ مِنْ سَفَائِفِ الْخُوصِ بِیَدِهِ وَ یَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَیُّکُمْ یَکْفِینِی بَیْعَهَا وَ یَأْکُلُ قُرْصَ الشَّعِیرِ مِنْ ثَمَنِهَا وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِی عِیسَی ابْنِ مَرْیَمَ فَلَقَدْ کَانَ یَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ وَ یَلْبَسُ الْخَشِنَ وَ کَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وَ سِرَاجُهُ بِاللَّیْلِ الْقَمَرَ وَ ظِلَالُهُ فِی الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا وَ فَاکِهَتُهُ وَ رَیْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ وَ لَمْ تَکُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ وَ لَا وَلَدٌ یَحْزُنُهُ وَ لَا مَالٌ یَلْفِتُهُ وَ لَا طَمَعٌ یُذِلُّهُ دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ وَ خَادِمُهُ یَدَاهُ فَتَأَسَّ بِنَبِیِّکَ الْأَطْیَبِ الْأَطْهَرِ ص فَإِنَّ فِیهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّی وَ عَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّی وَ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَی اللَّهِ الْمُتَأَسِّی بِنَبِیِّهِ وَ الْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ قَضَمَ الدُّنْیَا قَضْماً وَ لَمْ یُعِرْهَا طَرْفاً أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْیَا کَشْحاً وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْیَا بَطْناً عُرِضَتْ عَلَیْهِ الدُّنْیَا فَأَبَی أَنْ یَقْبَلَهَا وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ أَبْغَضَ شَیْئاً فَأَبْغَضَهُ وَ حَقَّرَ شَیْئاً فَحَقَّرَهُ وَ صَغَّرَ شَیْئاً فَصَغَّرَهُ وَ لَوْ لَمْ یَکُنْ فِینَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَ تَعْظِیمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ لَکَفَی بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ وَ مُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ لَقَدْ کَانَ ص یَأْکُلُ عَلَی الْأَرْضِ وَ یَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ وَ یَخْصِفُ بِیَدِهِ نَعْلَهُ وَ یَرْقَعُ بِیَدِهِ ثَوْبَهُ وَ یَرْکَبُ الْحِمَارَ الْعَارِیَ وَ یُرْدِفُ خَلْفَهُ وَ یَکُونُ السِّتْرُ عَلَی بَابِ بَیْتِهِ تَکُونُ فِیهِ التَّصَاوِیرُ- فَیَقُولُ یَا فُلَانَةُ لِإِحْدَی أَزْوَاجِهِ غَیِّبِیهِ عَنِّی فَإِنِّی إِذَا نَظَرْتُ إِلَیْهِ ذَکَرْتُ الدُّنْیَا وَ زَخَارِفَهَا فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْیَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِکْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِیبَ زِینَتُهَا عَنْ عَیْنِهِ لِکَیْلَا یَتَّخِذَ مِنْهَا رِیَاشاً وَ لَا یَعْتَقِدَهَا قَرَاراً وَ لَا یَرْجُوَ فِیهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ وَ أَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وَ غَیَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ وَ کَذَلِکَ مَنْ أَبْغَضَ شَیْئاً أَبْغَضَ أَنْ یَنْظُرَ إِلَیْهِ وَ أَنْ یُذْکَرَ عِنْدَهُ وَ لَقَدْ کَانَ فِی رَسُولِ اللَّهِ ص مَا یَدُلُّکُ عَلَی مَسَاوِئِ الدُّنْیَا وَ عُیُوبِهَا إِذْ جَاعَ فِیهَا مَعَ خَاصَّتِهِ وَ زُوِیَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِیمِ زُلْفَتِهِ فَلْیَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ أَ أَکْرَمَ اللَّهُ بِذَلِکَ مُحَمَّداً أَمْ أَهَانَهُ فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ کَذَبَ وَ اللَّهِ الْعَظِیمِ وَ أَتَی بِالْإِفْکِ الْعَظِیمِ وَ إِنْ قَالَ أَکْرَمَهُ فَلْیَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَیْرَهُ حَیْثُ بَسَطَ الدُّنْیَا لَهُ وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ فَإِنْ تَأَسَّی مُتَأَسٍّ بِنَبِیِّهِ وَ اقْتَصَّ أَثَرَهُ وَ وَلَجَ مَوْلِجَهُ وَ إِلَّا فَلَا یَأْمَنُ الْهَلَکَةَ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً ص عَلَماً لِلسَّاعَةِ وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَ مُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ خَرَجَ مِنَ الدُّنْیَا خَمِیصاً وَ وَرَدَ الآْخِرَةَ سَلِیماً لَمْ یَضَعْ حَجَراً عَلَی حَجَرٍ حَتَّی مَضَی لِسَبِیلِهِ وَ أَجَابَ دَاعِیَ رَبِّهِ فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِینَ أَنْعَمَ عَلَیْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَ قَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ وَ اللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِی هَذِهِ حَتَّی اسْتَحْیَیْتُ مِنْ رَاقِعِهَا وَ لَقَدْ قَالَ لِی قَائِلٌ أَ لَا تَنْبِذُهَا فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّی فَعِنْدَ الصَّبَاحِ یَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَی . فهذه الخطبة کافیة فی مقصودنا علی طریق الجملة و نحن نذکر تفصیل مکارم أخلاقه ص فی جمیع أحواله و تصرفاته و جلوسه و قیامه و سفره و حضره و أکله و شربه خاصة و جمیع ما روی عنه و عن الصادقین ع فی أحوال الناس عامة و نسأل الله التوفیق فی إتمامه إنه علی ما یشاء قدیر و تیسیر العسیر علیه سهل یسیر
(بسم الله الرحمن الرحیم)

الباب الأول فی خلق النبی ص و خلقه و سائر أحواله و فیه خمسة فصول:

الفصل الأول فی خلقه و خلقه و سیرته مع جلسائه

بِرِوَایَةِ الْحَسَنِ وَ الْحُسَیْنِ ع مِنْ کِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِیمَ بْنِ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِیِّ عَنْ ثِقَاتِهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِیٍّ ع قَالَ سَأَلْتُ خَالِی هِنْدَ بْنَ أَبِی هَالَةَ التَّمِیمِیَّ وَ کَانَ وَصَّافاً عَنْ حِلْیَةِ النَّبِیِّ ص وَ أَنَا أَشْتَهِی أَنْ یَصِفَ لِی مِنْهَا شَیْئاً أَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَالَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَخْماً مُفَخَّماً یَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَیْلَةَ الْبَدْرِ أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ وَ أَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ عَظِیمَ الْهَامَةِ رَجِلَ الشَّعْرِ إِذَا انْفَرَقَتْ عَقِیصَتُهُ قَرَنَ وَ إِلَّا فَلَا یُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَیْهِ إِذَا هُوَ وَفْرَةٌ- أَزْهَرَ اللَّوْنِ وَاسِعَ الْجَبِینِ أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ سوابع [سَوَابِغَ فِی غَیْرِ قَرَنٍ بَیْنَهُمَا عِرْقٌ یُدِرُّهُ الْغَضَبُ أَقْنَی الْعِرْنِینِ لَهُ نُورٌ یَعْلُوهُ یَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ یَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ کَثَّ اللِّحْیَةِ سَهْلَ الْخَدَّیْنِ أَدْعَجَ ضَلِیعَ الْفَمِ أَشْنَبَ مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ دَقِیقَ الْمَسْرُبَةِ کَأَنَّ عُنُقَهُ جِیدُ دُمْیَةٍ فِی صَفَاءِ الْفِضَّةِ مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ بَادِناً مُتَمَاسِکاً سَوَاءَ الْبَطْنِ وَ الصَّدْرِ عَرِیضَ الصَّدْرِ بَعِیدَ مَا بَیْنَ الْمَنْکِبَیْنِ ضَخْمَ الْکَرَادِیسِ أَنْوَرَ الْمُتَجَرِّدِ مَوْصُولَ مَا بَیْنَ اللَّبَّةِ وَ السُّرَّةِ بِشَعْرٍ یَجْرِی کَالْخَطِّ عَارِیَ الثَّدْیَیْنِ وَ الْبَطْنِ مِمَّا سِوَی ذَلِکَ أَشْعَرَ الذِّرَاعَیْنِ وَ الْمَنْکِبَیْنِ أَعْلَی الصَّدْرِ طَوِیلَ الزَّنْدَیْنِ رَحْبَ الرَّاحَةِ سَبْطَ الْقَصَبِ شَثْنَ الْکَفَّیْنِ وَ الْقَدَمَیْنِ سَائِلَ الْأَطْرَافِ خُمْصَانَ الْأَخْمَصَیْنِ مَسِیحَ الْقَدَمَیْنِ یَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ إِذَا زَالَ زَالَ قَلْعاً یَخْطُو تَکَفُّؤاً وَ یَمْشِی هَوْناً سَرِیعَ الْمِشْیَةِ إِذَا مَشَی کَأَنَّمَا یَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ وَ إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِیعاً خَافِضَ الطَّرْفِ نَظَرُهُ إِلَی الْأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَی السَّمَاءِ جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلَاحَظَةُ یَسُوقُ أَصْحَابَهُ وَ یَبْدُرُ مَنْ لَقِیَ بِالسَّلَامِ- قَالَ قُلْتُ لَهُ صِفْ لِی مَنْطِقَهُ قَالَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِکْرَةِ لَیْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ وَ لَا یَتَکَلَّمُ فِی غَیْرِ حَاجَةٍ طَوِیلَ السُّکُوتِ یَفْتَتِحُ الْکَلَامَ وَ یَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ وَ یَتَکَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْکَلِمِ فَصْلًا لَا فُضُولًا وَ لَا قَصِیراً فِیهِ دَمِثاً لَیْسَ بِالْجَافِی وَ لَا بِالْمَهِینِ یُعَظِّمُ النِّعْمَةَ وَ إِنْ دَقَّتْ وَ لَا یَذُمُّ مِنْهَا شَیْئاً وَ لَا یَذُمُّ ذَوَّاقاً وَ لَا یَمْدَحُهُ وَ لَا تُغْضِبُهُ الدُّنْیَا وَ مَا کَانَ لَهَا إِذَا تُعُوطِیَ الْحَقَّ لَمْ یَعْرِفْهُ أَحَدٌ وَ لَمْ یَقُمْ لِغَضَبِهِ شَیْ ءٌ حَتَّی یُنْتَصَرَ لَهُ وَ لَا یَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَ لَا یَنْتَصِرُ لَهَا إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِکَفِّهِ کُلِّهَا وَ إِذَا تَعَجَّبَ قَلَبَهَا وَ إِذَا تَحَدَّثَ أَشَارَ بِهَا فَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ الْیُمْنَی بَاطِنَ إِبْهَامِهِ الْیُسْرَی وَ إِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَ أَشَاحَ وَ إِذَا فَرِحَ غَضَّ مِنْ طَرْفِهِ جُلُّ ضَحِکِهِ التَّبَسُّمُ وَ یَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبِّ الْغَمَامِ قَالَ الْحَسَنُ ع فَکَتَمْتُهَا الْحُسَیْنَ زَمَاناً ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِی إِلَیْهِ فَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ سَأَلْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِهِ وَ مَخْرَجِهِ وَ شَکْلِهِ فَلَمْ یَدَعْ مِنْهَا شَیْئاً قَالَ الْحُسَیْنُ بْنُ عَلِیٍّ سَأَلْتُ أَبِی عَنْ دُخُولِ النَّبِیِّ ص فَقَالَ کَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُوناً لَهُ فِی ذَلِکَ وَ کَانَ إِذَا أَوَی إِلَی مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ جُزْءاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ جُزْءاً لِأَهْلِهِ وَ جُزْءاً لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَزَّأَ جُزْءَهُ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ النَّاسِ فَیَرُدُّ ذَلِکَ عَلَی الْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ وَ لَا یَدَّخِرُ أَوْ قَالَ لَا یَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَیْئاً- فَکَانَ مِنْ سِیرَتِهِ فِی جُزْءِ الْأُمَّةِ إِیثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ وَ قَسْمُهُ عَلَی قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِی الدِّینِ فَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ وَ مِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَیْنِ وَ مِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ فَیَتَشَاغَلُ بِهِمْ وَ یَشْغَلُهُمْ فِیمَا أَصْلَحَهُمْ وَ أَصْلَحَ الْأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ وَ إِخْبَارِهِمْ بِالَّذِی یَنْبَغِی لَهُمْ وَ یَقُولُ لِیُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ وَ أَبْلِغُونِی فِی حَاجَةِ مَنْ لَا یَسْتَطِیعُ إِبْلَاغَ حَاجَتِهِ فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَاناً حَاجَةَ مَنْ لَا یَسْتَطِیعُ إِبْلَاغَهَا إِیَّاهُ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَیْهِ یَوْمَ الْقِیَامَةِ لَا یَذْکُرُ عِنْدَهُ إِلَّا ذَلِکَ وَ لَا یَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَیْرَهُ یَدْخُلُونَ
زُوَّاراً وَ لَا یُفَرَّقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ وَ یَخْرُجُونَ أَدِلَّةً فُقَهَاءَ قَالَ فَسَأَلْتُهُ مِنْ مَخْرَجِهِ کَیْفَ کَانَ یَصْنَعُ فِیهِ
قَالَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص یَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّا فِیمَا یَعْنِیهِ وَ یُؤَلِّفُهُمْ وَ لَا یُفَرِّقُهُمْ أَوْ قَالَ وَ لَا یُنَفِّرُهُمْ وَ یُکْرِمُ کَرِیمَ کُلِّ قَوْمٍ وَ یُوَلِّیهِ عَلَیْهِمْ وَ یُحَذِّرُ النَّاسَ الْفِتَنَ وَ یَحْتَرِسُ مِنْهُمْ- مِنْ غَیْرِ أَنْ یَطْوِیَ عَنْ أَحَدٍ بِشْرَهُ وَ لَا خُلُقَهُ وَ یَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَ یَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا فِی النَّاسِ فَیُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَ یُقَوِّیهِ وَ یُقَبِّحُ الْقَبِیحَ وَ یُوهِنُهُ مُعْتَدِلَ الْأَسْرِ غَیْرَ مُخْتَلِفٍ لَا یَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ یَغْفُلُوا أَوْ یَمَلُّوا لِکُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادٌ لَا یَقْصُرُ عَنِ الْحَقِّ وَ لَا یَجُوزُهُ الَّذِینَ یَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِیَارُهُمْ أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِیحَةً وَ أَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَ مُؤَازَرَةً قَالَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ فَقَالَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا یَجْلِسُ وَ لَا یَقُومُ إِلَّا عَلَی ذِکْرِ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ وَ لَا یُوطِنُ الْأَمَاکِنَ وَ یَنْهَی عَنْ إِیطَانِهَا وَ إِذَا انْتَهَی إِلَی قَوْمٍ جَلَسَ حَیْثُ یَنْتَهِی بِهِ الْمَجْلِسُ وَ یَأْمُرُ بِذَلِکَ یُعْطِی کُلًّا مِنْ جُلَسَائِهِ نَصِیبَهُ حَتَّی لَا یَحْسَبَ جَلِیسُهُ أَنَّ أَحَداً أَکْرَمُ عَلَیْهِ مِنْهُ مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ فِی حَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّی یَکُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ عَنْهُ وَ مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ یَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِمَیْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ قَدْ وَسِعَ النَّاسَ مِنْهُ بَسْطُهُ وَ خُلُقُهُ فَکَانَ لَهُمْ أَباً وَ صَارُوا عِنْدَهُ فِی الْحَقِّ سَوَاءً مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَ حَیَاءٍ وَ صَبْرٍ وَ أَمَانَةٍ لَا تُرْفَعُ فِیهِ الْأَصْوَاتُ وَ لَا یُوهَنُ فِیهِ الْحُرَمُ وَ لَا تُنْثَی فَلَتَاتُهُ مُتَعَادِلُونَ مُتَفَاضِلُونَ فِیهِ بِالتَّقْوَی مُتَواضِعُونَ یُوَقِّرُونَ فِیهِ الْکَبِیرَ وَ یَرْحَمُونَ فِیهِ الصَّغِیرَ وَ یُؤْثِرُونَ ذَا الْحَاجَةِ وَ یَحْفَظُونَ أَوْ قَالَ یَحُوطُونَ الْغَرِیبَ قَالَ قُلْتُ کَیْفَ کَانَتْ سِیرَتُهُ مَعَ جُلَسَائِهِ قَالَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص دَائِمَ الْبِشْرِ سَهْلَ الْخُلُقِ لَیِّنَ الْجَانِبِ لَیْسَ بِفَظٍّ وَ لَا غَلِیظٍ وَ لَا صَخَّابٍ وَ لَا فَحَّاشٍ وَ لَا عَیَّابٍ وَ لَا مَدَّاحٍ یَتَغَافَلُ عَمَّا لَا یَشْتَهِی فَلَا یُؤْیِسُ مِنْهُ وَ لَا یُخَیِّبُ فِیهِ مُؤَمِّلِیهِ قَدْ تَرَکَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ الْمِرَاءِ وَ الْإِکْثَارِ وَ مِمَّا
لَا یَعْنِیهِ وَ تَرَکَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ کَانَ لَا یَذُمُّ أَحَداً وَ لَا یُعَیِّرُهُ وَ لَا یَطْلُبُ عَوْرَتَهُ وَ لَا یَتَکَلَّمُ إِلَّا فِیمَا یَرْجُو ثَوَابَهُ إِذَا تَکَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤُهُ کَأَنَّمَا عَلَی رُءُوسِهِمُ الطَّیْرُ فَإِذَا سَکَتَ تَکَلَّمُوا وَ لَا یَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِیثَ مَنْ تَکَلَّمَ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّی یَفْرُغَ حَدِیثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِیثُ أُولَاهُمْ یَضْحَکُ مِمَّا یَضْحَکُونَ مِنْهُ وَ یَتَعَجَّبُ مِمَّا یَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ وَ یَصْبِرُ لِلْغَرِیبِ عَلَی الْجَفْوَةِ فِی مَنْطِقِهِ وَ مَسْأَلَتِهِ حَتَّی إِنْ کَانَ أَصْحَابُهُ لَیَسْتَجْلِبُونَهُمْ وَ یَقُولُ إِذَا رَأَیْتُمْ طَالِبَ الْحَاجَةِ یَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ وَ لَا یَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا عَنْ مُکَافِئٍ وَ لَا یَقْطَعُ عَلَی أَحَدٍ حَدِیثَهُ حَتَّی یَجُوزَ فَیَقْطَعُهُ بِانْتِهَاءٍ أَوْ قِیَامٍ- قَالَ قُلْتُ کَیْفَ کَانَ سُکُوتُهُ قَالَ کَانَ سُکُوتُ رَسُولِ اللَّهِ ص عَلَی أَرْبَعَةٍ عَلَی الْحِلْمِ وَ الْحَذَرِ وَ التَّقْدِیرِ وَ التَّفَکُّرِ فَأَمَّا تَقْدِیرُهُ فَفِی تَسْوِیَةِ النَّظَرِ وَ الِاسْتِمَاعِ بَیْنَ النَّاسِ وَ أَمَّا تَفَکُّرُهُ فَفِیمَا یَبْقَی وَ یَفْنَی وَ جُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ وَ الصَّبْرُ فَکَانَ لَا یُغْضِبُهُ شَیْ ءٌ وَ لَا یَسْتَنْفِرُهُ وَ جُمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِی أَرْبَعَةٍ أَخْذُهُ بِالْحَسَنِ لِیُقْتَدَی بِهِ وَ تَرْکُهُ الْقَبِیحَ لِیُنْتَهَی عَنْهُ وَ اجْتِهَادُهُ فِیمَا أَصْلَحَ أُمَّتَهُ وَ الْقِیَامُ فِیمَا جَمَعَ لَهُمْ خَیْرَ الدُّنْیَا وَ الآْخِرَة