متن و ترجمه الآداب الدینیة للخزانة المعینیة

نویسنده : شیخ طبرسی مترجم : احمد عابدی

مقدّمة التحقیق

الفصل الأوّل الأخلاق و الآداب

الإنسان مشتمل علی الجسم و الروح، و قد تصدّی الحکمة بقسمیها- النظریة و العلمیة- بإثبات وجود النفس الإنسانیّة- أی الروح- و تجرّدها عن المادّة و تدبیرها للبدن، و أقاموا علی ذلک براهین کثیرة لا حاجة لنا إلی ذکرها هاهنا.
و الفرق بین الجسم و الروح کثیرة نشیر إلی بعضها:
الجسم من عالم الخلق و الروح من عالم الأمر.
و الجسم مادی محسوس و له أحکام المادة و الروح بری ء منها و من أحکامها.
و أیضا یمکن تعریف الجسم و معرفته بأحکام و تعریفات ایجابیة ثبوتیة، و أمّا الروح فلا یمکن تعریفها إلّا بأحکام سلبیة.
و بالجملة هذا الجسم من عالم الدنیا و عالم الشهادة، و الروح من عالم الغیب و الآخرة.
و کلّ انسان محتاج فی وصوله إلی کماله اللائق به إلی تربیة جسمه و روحه، و الشرائع الإلهیّة متصدّیة لإیصاله إلی هذا الغرض و المقصد الأسنی. فمن عکف همّته و قصّر نظره إلی صلاح بدنه و جسمه فقد خرج عن حقیقة الإنسانیة، و کذا من نسی صلاح بدنه و صرف وجهه إلی الآخرة أیضا غیر واصل إلی الکمال، بل یلزم أن یکون أحول العینین: بإحداهما یری الدنیا و جسمه فیها و یأخذ نصیبه منها، و بالأخری یری الآخرة و صلاح روحه.
و حیث إنّ کلا من الجسم و الروح یؤثّر علی الآخر فقد ورد: «لیس منّا من ترک دنیاه لدینه أو ترک دینه لدنیاه» ، و فی الأمثال: «العقل السلیم یکون فی البدن السلیم»، و من هنا تری أنّ أحکام اللَّه تعالی غیر منعطفة علی الروح فقط، بل مفرّقة و منقسمة علی الجسم و الروح، فیجب لکلّ أحد الاهتمام بالجسم و الروح.
نعم، لیسا فی مرتبة واحدة و لا شک أنّه عند التعارض یقدّم صلاح الروح علی البدن.
و حیث ثبت اشتمال الإنسان علی الجسم و الروح فیحتاج فی تربیة جسمه إلی علم و فی تربیة روحه إلی علم آخر، و الأوّل هو «الآداب» و الثانی هو «الأخلاق» و الدین و الشرائع الإلهیة جامع لهما.

تعریف الأخلاق

الخلق یجمع علی أخلاق، و قال النراقی- رحمه اللَّه-: «الخلق عبارة عن ملکة للنفس مقتضیة لصدور الأفعال بسهولة من دون احتیاج إلی فکر و رویّة» .
و قال الراغب: «أما الخلق ففی الأصل کالخلق ... لکن الخلق یقال فی القوی المدرکة بالبصیرة و الخلق فی الهیئات و الأشکال و الصور المدرکة بالبصر ... و یجعل الخلق تارة من الخلاقة و هی الملاسة، فکأنّه اسم لما مرّن علیه الإنسان من قواه بالعادة ... فجعل الخلق مرّة للهیئة الموجودة فی النفس التی یصدر عنها الفعل بلا فکر، و جعل مرّة اسما للفعل الصادر عنه باسمه» .
و یستفاد من هذه التعاریف أنّ الأخلاق هو ملکة أو حالة راسخة نفسانیة توجب صدور الأعمال منه بلا رویة و فکر. فمن تأمل و تروّی فی صدور عمل حسن منه ثمّ فعله لا یعدّ فعله فضیلة أخلاقیا، بل الشخص الأخلاقی هو الذی یکون صدور العمل الحسن منه ملکة له بحیث لا یتروی فی صدوره منه، کالغوّاص الذی صار هذا العمل ملکة له.
فقد علم ممّا تقدم:
أوّلا: أنّ موضوع الأخلاق هو النفس الإنسانی دون بدنه.
و ثانیا: تسمیة بعض الأعمال بالفضیلة الأخلاقیة أو رذیلتها تکون باعتبار حکایة الأعمال عن النفس و حالاتها و ملکاتها.
و ثالثا: یلزم أن تکون تلک الحالة راسخة فی النفس و غیر قابلة للزوال بسهولة.
و رابعا: یکون صدور الأعمال منه بلا فکر و رویة.
و حیث إنّ موضوع الأخلاق هو النفس الإنسانی و للنفس قوی ثلاثة: قوة الدرک و قوة الجذب و قوة الدفع، تسمّی النفس باعتبار الأولی، أی القوّة الناطقة النفس المطمئنة، و باعتبار الثانیة، أی القوّة الشهویة النفس الأمّارة، و باعتبار الثالثة، أی القوة الغضبیة النفس اللوّامة.
و لکلّ واحد من هذه القوی حالات ثلاثة: إفراط و اعتدال و تفریط، و الفضیلة منها هو الاعتدال، و الرذیلة منها هو الإفراط و التفریط. فأصول الرذائل ستّة و هی: الوسوسة و الحمق و الشره و الخمولة و الغضب و الجبن. و أصول الفضائل ثلاثة: الحکمة و العفّة و الشجاعة، و المجموع من هذه الثلاثة یسمّی بالعدالة.